الإيمان و الکفر
محاضرة لفضيلة الأستاذ «كاكه احمد مفتيزاده»- رحمه الله تعالى-حول الإيمان و الکفر
العلّامه بعدالسجن العلّامه قَبل السجن
بسم الله الرّحمن الرّحيم
المقدّمة
الحمدلله ربِّ العالمين، وصلوات الله وسلامه، ورحمته وبركاته على خاتم الأنبياء والمرسلين محمّد وآله وأصحابه المخلصين إلى يوم الدّين.
أمّا بعد فإنّ هذه الرسالة التي بين يدي القارئ الكريم، ترجمة سؤال وجواب، لفضيلة الأستاذ «كاكه احمد مفتيزاده»، يعود تسجيل أصلها، إلى سنة 1413ق، وكان الأستاذ المجاهد يقضي في تلك السنة آخر شهور حياته المباركة، بعد عشر سنوات قضاها في السّجن، صابراً صامداً محتسباً، معظمها في الزنزانات الإيرانية الإنفرادية.
و في إحدى زياراته العائلية خارج السجن، اُتيحت فرصة فعرض عليه فيها «سؤال حول الإيمان و الكفر» فأجاب -رحمه الله- بما ستقرئونها إن شاء الله. من حسن الحظ أنّ اصل السؤال و الجواب، الذي اُجري باللغة الكردية، سُجِّل تصويرياً في تلك الظروف الصعبة وهو موجود الآن. ورغم أهمية الموضوع (اعتباراً لملابسات خاصة) تأخّر توزيعها للعموم إلى سنة 1426 ق. و ها نحن اُولاء نقدّم للناطقين باللغة العربية، ترجمة هذا الموضوع الهامّ، علّها أن تُروي عطاش الحقيقة بجرعة مِن بحر المعرفة الدينية التي كانت قطرات مباركات استنبطها كاكه أحمد مفتيزاده، من عيون الكتاب والسنة الذّاخرة الفيّاضة. والقارئ الكريم سوف يواجه فيها «التكرار لبعض الموضوعات بعبارات مختلفه»، و استعمال المترادفات، و الإستفادة من ضروب التعبير من أخبار و إستفهام و...، و ضرب الأمثال المتعددة لموضوع واحد، كل هذا باسلوب واضح بسيط جدّاً، و بعبارات سهلة صريحة. و دليل ذلك: انّه لما كانت هذه الآراء و النظريات التي طرحت في هذا الجواب، نظريات جديدة هامة، و في الحقيقة ليست معروفة، و لا مألوفة حتى لدي العلماء. هذا من جهة، و من جهة أخرى كانت الموضوعات العلمية الجليلة، و المفاهيم الدينيه العظيمة في ذاتها، صعبَ المنال للخواص بَلْهَ العوام، لَجَئنا إلى هذا المنهج، وأخذنا بهذا الاسلوب. و المرجو من العلماء والقراء، إلمام النظر في المسائل المطروحة بعين الإنصاف و الرضا، لا بعين السخط والغضب. نسأل الله تعالى أنْ يُخضِرَ الجمود والمَحْلَ في ميدان المعرفة بصوب هذه الحقايق الدينية.
بسم الله الرحمن الرحيم
سؤال: فضيلة الأستاذ کاکه احمد مفتی زاده! السلام عليكم ورحمة الله وبرکاته.
منذ زمن طويلة شغلني سؤال، و مع الأسف لم يتيسرلي في تلك المدة لقاءك كي اسئلك عنه والسؤال هو: أنّك في بعض مقالاتك المسجّلة، والمحاضرات التي القيتها في المناسبات المختلفة، قلتَ: لا اجد اليوم على وجه الأرض أحداً يجوز أن يطلق عليه اسم الكافر. هل هذا صحيح؟ و كيف يكون ذلك؟ و اضافة إلى هذا قيل إنّك قلت: لو كان هناك كافر، ما كان للإسلام أنْ يحاربه لأنّه كافر. و مع هذا نرى أنّه ورد في التاريخ متواتراً أنّ بعض الناس ارتدّوا في عهد ابيبكر - سلام الله عليه - بعد وفات النبي -صلى الله عليه وسلم- و امتنعوا عَنْ أداء الزكاة، و كان ابوبكر- سلام الله عليه - بسبب تلك المواقف من هؤلاء، أمر بقتالهم حتى قال للمسلمين: لو لم تُسايروني في هذا الأمر لسرت إليهم وحدي، ولاُقاتلنّهم. أفلا يغاير هذا ما قلتَ؟ وكيف تربط بينهما؟
بسم الله الرّحمن الرّحيم
إنّ هذا الموضوع الذي جاء ذكره في هذا السؤال، جزءٌ من موضوع آخر اعمّ، و هو عبارة عن «السياسة الدولية للإسلام».
و قد كتبت سالفاً في إحدی حواشي على كتابي «درباره كردستان» (حول قضايا كردستان) بعض أصول السياسة الإسلامية: الداخلية منها و الدولية بشيءٍ من التفصيل. و لكنّها- نظراً لأهمية الموضوع- غير كافية لتحقيقها و استيعاب جزئياتها. و إذا أردنا أنْ نبيّنها و نفصّل جوانبها المختلفة، يكبر حجمها اضعاف ما كتبنا هناك. و هذا الموضوع و إنْ كان أحد الموضوعات الهامة في الدّين، بقي مجملاً مبهماً من بين سائر المسائل الفقهية المبسوطة في تراثنا الإسلامي. ودليل ذلك انّه لمّا تمّ القضاء على الحكومة الشورائية، و استقرّت الإستبدادية الفردية في المجتمع، و آل الأمر بعد ذلك إلى تنحية «السياسة الإسلامية» عن الحكم تماماً، (طبعاً لست أعني: أنّ «السياسة الإسلامية» مُحِيَت عن الوجود محواً كاملاً من جميع الجهات.
و إنّما أقْصد: أنّ السياسة الإسلامية، لم تكن بعدُ، هي المبنى للحكم. بل إنّ الحكام كانوا يديرون دفة الأمور، بما تشتهي اهوائهم سواء وافقت تلك الأمور، أصول السياسة الإسلامية في الواقع أم خالفتها. و إن كان في بعض الأحيان تأتي وفاقاً للسياسة الإسلامية «کما هي طبيعة الحاكمية الإستبدادية»
نعم منذُ أن فقد الإسلام هذه الحاكمية، صار البحث عن مسألة السياسة في الإسلام، بحثاً هامشياً، غير مهتمّ بشأنه.
و لذلك إننّا حين نراجع مثلاً إلى الكتب الفقهية، سنجد بعض موضوعاتها قد بُذِلَت في تفصيلها و تبسيط ابوابها جهود كثيرة، و عناية بالغة، و بعض موضوعاتها الأخرى كموضوع السياسة الإسلامية مثلاً، مع ضخامتها و آثارها العظيمة، بقيت مجملة للغاية. حتى لو ترى ممارسة هذا الموضوع الخطير، في اوساط إسلامية قولاً و عملاً، لتجدها منقطعة الصلة بين شتاتها، و غير مرتبطة بعضها ببعض.
و ما جاء هنا و هناك في شأنها، من المحاولات و المجاهدات التي قام بها بعض المخلصين داخلياً او دُوَلِيّا، و كانت في الحقيقة مطابقة مأة فی المأة لقواعد السياسة الإسلامية، لم تكن واضحة ولا معروفة إلا لبعض ذوي الأهليات الخاصة، و لاُولي البصائر العارفين بالقرآن الكريم.
هذا و لْنذكر على سبيل المثال: الحركة المباركة العظيمة التي نبعت من أسرة النور و الرسالة من قبل حسين بن علي -سلام الله عليهم أجمعين-حتى أنتهت إلى حادثة كربلاء.[1] فإن
___________________________
[1] فإنّ هذه المحاولة المباركة مع عظمتها و فخامتها لم تتبيّن حقيقتها إلاّ للعارفين بالقرآن الكريم، الذين يتدبّرون آياته، و يسلكون منهجه، و يستنبطون من ينبوعه الصّافي، و لا يتّبعون ما يقال هنا و هناك من الأقوال و الروايات المختلفة المتعارضة.
فان من يتتبع القرآن و يتلوه حق تلاوته، يعلم بالبداهة، أن لا حكم الا لله «إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ» يوسف 40
فحاكمية الله التي تحقق كلمة التوحيد، مظهرها الوحيد، مجتمع إسلامي، بني على طاعة الله، و طاعة رسوله، و اولي الأمر من المؤمنين. «يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرّسول وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ» النساء 59
و تلك لا تتحقّق إلاّ بنظام سياسي قائم على أساس شورى اولي الأمر. فالنصوص الإسلامية بيّنت في مواضع كثيرة، بعبارات مختلفة، ان النظام الوحيد المرضي عند الله لان تظهر فيه حاكميته، و تعلو فيه اطاعة رسوله، نظام اسّس على حاكمية شورى اولي الأمر، و انتخاب واحدٍ منهم رئيساً و خليفة لدولتهم الإسلامية. اي رئيساً لقوي التنفيذيّه. فبناءً على هذا فحكومة الإسلام، حكومة شورائية، و دولتها، دولة خلافة. فبقية الأنظمة و الحكومات التي بنيت على غير هذا الأساس، - بقطع النظر عما تسمي نفسها بها- حكومات إستبدادية غير إسلامية. ففي القرآن الكريم، و سنة رسوله العظيم، و عمل الخلفاء الراشدين المهديين، و أقوالهم، دلائل واضحة تنص على حقيقة ما قلنا. فان من ينفضّ الغبار على أبصاره، و يراجع تلك المصادر، و يتدبّر ما فيها، يتفقه حقيقة ما أشرنا إليه، و هنا لك يتجلى له: أنّ الخضوع و الإنقياد أمام المسؤولية الدينية (أي العودة بالحاكمية السياسية الدينية التي صارت ملكاًٌ عضوضاً، الي حاكمية شورى اولي الأمر) الزمَ حسين بن علي - رضي الله عنهما - على هذه الحركة المباركة الإستشهادية، و هو عالمٌ بصيرٌ بكل الدواهي و المصائب التي تنتظره، و رُبّما تسُدّه عن نيل مناه. وما قاله في جواب بعض من أراد إنصرافه عما عزم عليه و خوّفه بالقتل كقوله مثلاً: أفبالموت تخوِفُني، و هل يعدو بكم الخطب أن تقتلوني؟ ما أدري ما أقول لكم؟ و لكن أقول كما قال أخو الأوس لإبن عمّه و لقيه و هو يريد نصرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال له: أين تذهب؟ فإنك مقتول. فقال:
سامضي و ما بالموت عارٌ على الفتى إذا ما نوى حقاً و جاهد مسلما
و آسي الرجال الصالحين بنفسه و فارق مثبورا يغشي و يرغما
(كتاب الحسن والحسين لمحمد رضا أمين، مكتبة جامعة القاهرة ص 93.)
دليل قاطع على صدق ما قلنا.
و الآيات الدالة على أنّ الحاكمية لله و تلك لا تتحقق إلا في نظام اُسّس على أساس شورى اولي الأمر كثيرة منها:
«وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَ-ئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ» المائده 44
«إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ» يوسف 40
«يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرّسول وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ » النساء 59
«وَالذينَ اسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ» الشورى 38
«وَمَن يُشَاقِقِ الرّسول مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ» النساء 115
«وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرّسول وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الذينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ» النساء 83
و الروايات ايضاً كثيرة
- منها: عن ابي نجيح العرباض بن سارية -رضي الله عنه- قال:
و عظَنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم- موعظة بليغةً وجلت منها القلوب و ذرفت منها العيون، فقلنا يا رسول الله! كانها موعظة مودع فاوصنا، قال اوصيكم بتقوي الله و السمع و الطاعة، و ان تأمر عليكم عبد حبشي، و انه من يعش منكم فسيري اختلافاً كثيرا فعليكم بسنتي و سنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ، و اياكم و محدثات الأمور، فان كل بدعة ضلالة. رواه ابوداود و الترمذي و قال حديث حسن صحيح.
و مجيي «اياكم و محدثات الأمور» بعد جملة «فعليكم بسنتي و سنة الخلفاء الراشدين المهديين» التي تعني الحاكمية السياسية التي ساسها رسول الله - صلى الله عليه وسلم- و خلفاء الراشدون، تقتضي ان تحمل «اياكم و محدثات الأمور» على عكس ما فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم- و خلفاء الراشدون في امر الحاكمية، و هي عبارة عن الحاكمية التي ليست على سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم- و سنة خلفاء الراشدين. و بعبارة أخرى: حذر الرّسول - صلى الله عليه وسلم- المسلمين من ايجاد البدع و إحداث الأمور في مسألة الحاكمية في المجتمع الإسلامي قبل كل شيء، و امرهم أن يعضّوا بالنّواجذ النظام السياسي الذي سار عليه الخلفاء الراشدون، و كان نظاماً قائماً على أساس شورى اولي الأمر.
- و منها: الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تصير ملكاً عضوضاً. اخرجه أحمد و اصحاب السنن و صححه ابن حبان و غيره. (فتح الباري المجلد التاسع ص683)
- و منها ما رواه أحمد و البزار عن حذيفه بن اليمان مرفوعاً: تکون النبوة فيکم ما شاء الله أن تکون، ثم تکون خلافة على منهاج النبوة، فتکون ما شاء الله أن تکون، ثم يرفعها إذا شاء، ثم تکون ملکاً عاضّاً- و في رواية عضوضاً- (يعني: فيه عضٌ و ظلمٌ) فتکون ما شاء الله أن تکون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تکون ملکاً جبرياً(ملکٌ فيه قهرٌ و جبروت) فتکون ما شاء الله أن تکون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تکون خلافة على منهاج النبوة، ثم سکت.
و على بن ابي طالب - رضي الله عنهما - كأحد الخلفاء الراشدين المهديين، نظراً لتلك الظروف الصعبة التي أحاطت به، و كاد ان يلتبس أمر الحاكمية في الإسلام على الناس، كشف النقاب عن هذا الأمر العظيم بعبارات واضحة في كتاب كتبه إلى معاوية بن ابي سفيان، و قال:
«إنّه بايعني القوم الذين بايعوا ابابكر، و عمر، و عثمان، على ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهدان يختار، و لا للغائب أن يَردَّ، و إنّما الشورى للمهاجرين و الأنصار، فان اجتمعوا على رجل، و سموه اماماً، كان ذلك الله رضيً، فان حزج من امرهم خارج بطعن او بدعة، ردوه إلى ما خرج منه، فان ابي قاتلوه على أتباعه غير سبيل المؤمنين، و ولاه الله ما تولى. (نهج البلاغه، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ص494)
فإنّ من تبيّنت له هذه النصوص، و تدبر ما فيها من الحقائق، و بلغ هذا المبلغ من المعرفة يتجلى له: أنّ حسين بن علي - سلام الله عليه -، ما قام بهذه النهضة العظيمة الا لإهتدائه إلى السياسة الإسلامية المنصوصة في القرآن، و ما ضحّى بنفسه الزكية، و بأسرته العزيزة هذه التضحية المثالية، إلاّ لإعادة حاكمية الإسلام على مبدأ الشورى مرةً أخرى. ولإعلان المسلمين كافةً: إن الحاكمية الموروثية الفردية لاصلة لها بالإسلام من الأساس.
________________________________
مَن يتتبع القرآن، و يبحث فيه، و لايذهب وراء الروايات و الأقوال المتعارضة فيجعلها مبنیً لتصوراته، يدرک حقيقة ما حدث لحسين بن علي -سلام الله عليهم أجمعين-.
المنهج الصحيح لفهم التاريخ
ينبغي أنْ تعرف جيداً، أنّ المنهج الصحيح لفهم التاريخ فهماً صحيحاً، أنْ لا تتبّع قولاً واحداً من بين الأقوال، و لا رواية واحدة من بين الروايات، لأن هناک روآيات و أقوال أخرى، ربّما تناقض او تعارض تلک التي توهمته أنت صحيحاً، بل عليك أن تستمع إلى کل ما قاله الموافقون و المخالفون في ذلک الموضوع، و تستخرج منها باستنباطک قدراً مشترکاً متفقاً عليه بين الموافق والمخالف، لا قدراً مشترکاً فقط، بل أقل من ذلک اي أن تُدرک: الروح السّائدة على الوقايع و الحوادث، و تجعل هذا معياراً لدراسة الحوادث التاريخية العظيمة بأسرها. و إلا لو أراد انسان أن تتبيّن له حقيقة حادثة تاريخية، بل حقيقة أي تيار تاريخي عظيم، بنقل الروايات المتعارضة و الأقوال المتضاربة فقط، او نقل بعضها ناسياً بعضها الآخر، تارکاً المنهج الذي اقترحناه، فإنّه لا محالة يقع في الأخطاء، و ينحرف عن جادة الصواب کما قلنا.
المنهج الصحيح لتحقيق السيرة و الروايات
و في إطار هذا المبحث ينبغي أن اشير إلى موضوعين هامّين يحتاجان إلى وقت مناسب لكي اُبينهما بياناً يزيل الغموض عن حقيقتهما و هما موضوعا السيرة النبوية و الروايات.[1]
____________________
[1] - فإنّ مسألة السيرة و موضوع الروايات و مکانتهما و دورهما للتعرّف على حقيقة الإسلام جعلتهما من أهمّ الموضوعات الدّينية بعد القرآن الکريم، فالتّصور الواضح البيّن من هذا التّراث القيّم الذي اختلط بالزّائف و الزّائد، و تعديل المواقف المائلة افراطاً و تفريطا، و ...، و في النهاية تمييز الصحيح المقبول من السّقيم المرفوض منهما بمنهج علمي رصين له آثاره العظيمة، و دوره المبارك في تنوير أفکار المسلمين وتقويم سلوکهم، ومعالجة أزماتهم: أزمة فکرهم و هي أولى الأزمات في هذا العصر، و أزمة فهمهم لدينهم كرسالة سماوية جاءت لهداية البشرية، و إنقاذها من الطغيان و العدوان، و من الذّل و الهوان.
_________________
ولابدّ أن اُشير: أنّ المنهج الذي سلکه العلماء -رحمهم الله- في القرون السالفة، لتمييز الصحيح عن غيره، بالنسبة لهذين الموضوعين، و مباحثاتهم بعضهم مع بعض في هذا المجال، لا يصلهم إلى نتيجة صحيحة، (بل اظنهم -غفرالله لهم- وقعوا في أخطاء کبيرة کثيرة) و لا يدرک حقيقة ما اقول، و لا يتبيّنه واضحاً إلا من كان عارفاً بالقرآن ملمّاً بمعانيه محيطاً بمراميه. و لو انهم -رحمهم الله- درسوا کل الآراء، الموافقة منها و المخالفة، التي تتعلق بموضوع خاص من السيرة مثلاً وفقاً لذلک المنهج الذي اقترحته، و استنبطوا روحاً سائدة و سارية في كل الأقوال و الآراء الموجودة، لعلموا ما هو صحيح منها في هذا الموضوع، و ما هو غير صحيح، وايضاً يتبيّن لهم سلوکه و سيرته -صلى الله عليه وسلم- تجاه القضايا المختلفة.
ولکن إذا كان الباحث للسيرة، يعتمد متن الروايات المنقولة فقط، فانّه لا محالة يقع في متاهة من الغموض و الإبهام، يتخبط في ظلماتها بلا جدوى، و لا تتضح له الواقعة کما هي، و لا يبلغ مقصداً و في نهاية المطاف يسأل عن نفسه محتاراً: ما هو سلوک النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذه الموضوعات التي تنقله السيرة، لأن هناک روآيات متعارضة، ترويه بعضها على کيفية، و بعضها الآخر على کيفية أخرى.
وکذلک الشأن في الأحاديث المروية في کتب الروايات.
و اذا كان من القواعد المقررة: أنّ أي أحدٍ وجد أية رواية تلقّاها حديثاً من الرّسول -صلى الله عليه وسلم- فإنّه لا محالة يصاب بانحرافات کبيرة کثيرة، إنحرافات بعيدة عن طريق الإسلام الحقيقي، و هو طريق القرآن، لانّ السنة النبوية بأقسامها الثلاثة: القولية و العملية و التقريرية، مبينة للقرآن، و في الحقيقة: بعث الرّسول -صلى الله عليه وسلم- ليبين للناس بأقواله و أعماله و تقريراته ما نُزّل إليهم. و لو أنّ الدارس سلک هذا المنهج الذي اقترحته أنا لوصل بکل سهولة، إلى تمييز الصحيح من السقيم في کل من السيرة و الأحاديث، بل في کل الحوادث التي حدثتْ في الأزمنة المختلفة، سواء كانت مرتبطة بالإسلام او غير مرتبطة به، و هو منهج فريد لکشف الحقيقة في الوقايع التي تقع في هذا الزمان و التي وقعت في الأزمنة السابقة، حتى بالنسبة للوقايع التي تحدث في عصرک الذي تعيش فيه، فانک إذا أردت أنْ تتبيّن لک واقعة کما هي، عليك أن تدرس الآراء و الأقوال المختلفة المتعلقة بنفس الموضوع لکي تتمثّل بين يديك صورة واضحة واقعية من ذلک الموضوع، بل شيء أضيق نطاقاً من تلک، واقلّ من هذا الموضوع الذي قصدته، ثم لتزن بهذه الصورة الواقعية کل ما يقال هنا و هناک.
اذاً بهذه الطريقة اي بمطالعة کل الروايات المتضاربه في السيرة، لَتَجِدُ أصولاً أساسيةً صحيحة مقبولة، من خُلُقِ النبي -صلى الله عليه وسلم- و سلوکه في حياته، ثم لتقيسُ بهذا کل ما وجدته في کتب السيرة، و لَتعرف بها جيداً ما هو صحيحٌ منها و ما هو غير صحيح.
و بنفس هذا المنهج تتعامل مع الأحاديث المروية في کتب الرواية. هذه هي إشارة خاطفة إلى موضوعين هامّين ينبغي تبيينهما و تفصيلهما اذا أتيحت الفرصة إن شاء الله.
و بعد هذا، نعود إلى موضوعنا الأصلی، و هو «السياسة العالمية للإسلام» فإنّ السياسة الإسلامية ينبغي أنْ تحقق و تفهم بنفس المنهج الذي اقترحناه لتحقيق السيرة و الأحاديث. و لکن هنا بمساندة القرآن. فإنّ دعم القرآن و تعزيزه لتحقيق هذا الموضوع، اکثر من دعمه لذلک الموضوع، لأنّ مؤازرته و مساندته للتعرّف على السياسة الدولية للإسلام، أقوى من مؤازرته للأحاديث و السير. لأنّ القرآن لم ينقل لنا کل ما قاله الرّسول -صلى الله عليه وسلم- في الحوادث المختلفة، و لا کل سلوکه في حياته المبارکة، إلا مقتطفات اقتضت الحکمة الإلهية بيانها بلسان الوحي، امّا مسألة السياسية الإسلامية، فإنّ القرآن الکريم اسّس أصولها و أشاد اركانها، و حدّ حدودها العامة، بحيث يقدر الانسان أنْ يصل إلى أنموذج واضح، و صورة کلية منها.
و لهذا فالعثور على مؤشّر حقيقي في هذا الموضوع، اسهل من العثور عليه في سائر الموضوعات کالأحاديث و السير.
لأنّه - کما بينا- أنّ أصول السياسية الإسلامية، خاصة العالمية منها جاءت مفصلة مبينة في القرآن الکريم.
و القرآن بين بالتفصيل او الإجمال، مبانيها الأساسية و أصولها الرئيسية.
فعلى هذا فإنّ الباحث عن مسألة السياسة الإسلامية، كان اَقدَرَ بمساندة القرآن على نيل غايته المنشودة، و ايسر عليه، أن يعرف كيف كانت السياسة الإسلامية في حياة النبي -صلى الله عليه وسلم- و حياة الخلفاء الراشدين، و من جملتها ما كانت في عهد ابي بکر - سلام الله عليه - المسألة التي اخترتها أنت لتسأل عنها. فإنّه بهذا المنهج المقترح، يستطيع أن يصل إلى معرفة حقيقة السياسة الإسلامية، العالمية منها، و کذلک الداخلية، ولکنّ العالمية منها أکثر موضع اهتمامنا في هذا التحقيق.
إنّ هذا المنهج للتحقيق لم يستخدم کثيراً -کما اشرنا- للتعرف على السياسة الإسلامية، کما لم يستخدم لتحقيق سائر القضايا. و کما قلنا من قبل فان السياسة الإسلامية لما افتقدت موضوعيتها و فعلیتها عملاً في واقع الحياة، لتجد المباحث التي جاءت في شأنها في الکتب المختلفه لا تأتي بنتيجة ناصعة واضحة، فالدارس لها وإنْ أتْعب نفسه و سعي لها سعيه في تصحف الکتب لا يأتي بشيء يطمئنّ به قلبه.
حتّى و إنّ الحرکات الإسلامية الثورية، التي ولدت في القعود الاخيرة في مناطق من العالم، هذه الحرکات التي اُسِّسَت من قبل اصحابها لتجديد الإسلام، و العودة به إلى قيادة الحياة من جديد، مع إهتمامها البالغ بهذا الموضوع، و البحث عنه هنا و هناک من قِبَلِ علمائها تجدها لا تُعطينا نتيجةً جيدة واضحة شاملة للسياسة الدولية للإسلام.
ولهذا إذا أردتُ أن أُجيب عن هذا السؤال (اي کيف كانت الحرب بين الإسلام و الکفر) والحال إنّ هذه القضية، سالبة بأنتفاء الموضوع -إنْ صَحَّ التعبير- (يعني أنّ الحرب بين الإسلام و الکفر لم تحدث في واقع الحياة الإسلامية، فکيف نبحث عنها؟ کما سنبيّنه إن شآء الله تعالى. نعم إذا أردتُ أنْ اُجيبه إجابة کاملة و أبيّنه كما هو جديرٌ به، تحتاج إلى فرصة مناسبة متناسبه، هذا من جهة؛ و من جهة أخرى، تفتقر الإجابة على هذا السؤال إلى تأهّب وافٍ و فکر مرکّز، و مراجعة ثانية إلى القرآن الکريم، و في هذه الظروف التي فوجئتُ فيها بهذا السؤال، اَظُنّني لست على إستعداد تامّ للإجابة عليه بکل تفصيلاته وجزئياته. و رغم ذلک فإنّه لاهمية الموضوع و خطورته، أراه خسارة أنْ أدَعَه، غير مشير إلى بعض زواياه الهامة. فكان من الضروري أنْ أتناول في الإجابة على السؤال المباني الصحيحة للسياسة الدّولية للإسلام بشيء من التفصيل، بحيث لو رأها او استمع إليها القرّاء الملمّون بالموضوع، لحصلوا على فهم صحيح للأصول العامة للسياسة الإسلامية.
و کما أشرتُ عند عرضک للسؤال: لي توضيحات کثيرة حول قضية الإيمان و الکفر يعود بيانها إلى الماضي. وأقول لابدّ أن نعلم اوّلاً: أنّ التّقابُلَ بين الإسلام و الكفر تقابُلُ تضاد، والتقابُلَ بين الإيمان و الكفر تقابُلُ تناقض. و قد بينت مراتٍ کثيرة، و کتبت في مواضع عديدة: أنّ عدم الإسلام لا يساوي الكفر.[1]و يقول المنطقيون في مصطلحهم الخاص: اذا كان بين الشيءن تقابل، فهذان المتقابلان إما متناقضان و إمّا متضادان و إمّا متضايفان و إمّا... ، فاذا كان بين الشيءن تناقض، فإنه يعني: أنّه لا ثالث لهما. لانّه إما هذا و إما ذاک، فلا يمکن وجود شيء آخر.
و لکن إذا كان بينهما تضاد، فانّه لا يعني أنّه لا ثالث لهما، فمثلاً نقول: إن بين الأسود و الأبيض تضاد، و هذا لا يعني أنّه لايوجد شيء آخر متصف بغير هذين الوصفين، لأنّنا نرى اشياء کثيرة متصفة بالأخضر و الأحمر و الأصفر و...، من الألوان الرئيسية و الفرعية العديدة الأخرى، فالنسبة بين کل واحد منها مع الآخر، و منها مع الأسود و الأبيض تضاد، و کما قلنا إذا كان بين الشيءن تضاد فإنّه لا يعني عدم وجود غير هذين الشيئين، بل يمکن أنْ يوجد شيء ثالث أو...، فتبيّن لنا أنّه إذا كان بين الشيئين تناقض فانه لا محالة إذا وُجد أحدهما لا يوجد الآخر. هذا ليس فيه شک. يعني: إذا كان بين الشيءن تناقض فإنّه لا يمکن جمعهما و لا رفعهما. و بعبارة أخرى: «النقيضان لا يجتمعان و لا يرتفعان»[2]
_________________
[1] - يعني اذا لم يکن هناک إسلام، لا يعني ضرورة أنّ هناک کفر، لانه يمکن أن يکون هناک شيء آخر لا يکون إسلاماً و لا کفراً.
[2] - مثل: الموجود امّا حادث و امّا قديم، و العدد اما زوج و امّا فرد. فلا يوجد شيء متصف بالحادث و القديم کما لا يوجد شيء ليس بحادث و لا قديم. و کذلک العدد امّا زوج و اما فرد فلا يوجد عدد متصف بالزّوجية و الفردية، کما لا يوجد عدد ليس بزوج و لا فرد.
فعلى هذا نقول: إنّ النسبة الحقيقية بين الإسلام و الکفر هي نسبة تضاد، لا تناقض يعني: يمکن أنْ يوجد شيء لا يکون إسلاماً و لا کفراً، بل يکون شيئاً آخر. ولکن النسبة بين الکفر و الإيمان تناقض. أي أحدهما نقيض للآخر فلا يمکن إجتماعهما و لا ارتفاعهما. لأنّ الإيمان عبارة عن سجية حبّ الحق، و موالاته و الموافقة معه. هذه من لوازم الإيمان و خواصّه. و أمّا أحد أركانه الأصلی الرفيع القدر، الجليل الاعتبار، الحافل بالخيرات و البرکات، «ألحبُ». لأنّ القلب اذا كان عأمراً بالإيمان فإنّه لا محالة يلازمه استسلام الحق، و تنبع منه المحبة، محبة خالصة ليست فيها شائبة الأنانية و حبّ النّفس. اجل ذلك الاستسلام، و هذه المحبة الذان من افضل و أعظم آثار الإيمان، اذا كانا خالصين صافييين، يعدّان من آثار الإيمان، و إلا فإنّ أشدّ الکَفَرةِ عناداً يمکن احياناً أنْ يستسلم للحق، و لکن لا لحبّ الحق، و يمکن ايضاً أنْ يظهر من نفسه المحبة، و ايضاً هذه المحبة، ليست محبة خالصة صافية، بل ابرازهما منه ناشئ من ابتغائه منافع دنيويه، و من حبه لذاته. فالمحبة و الإستسلام للحق لا يجتمعان مع الکفر، لأنّ الکفر يقطع جذور هاتين الخصلتين، و لا يبقي لهما أثراً في القلب، لأنّه عبارة عن معاداة الحقّ بعد معرفته و فهمه. فالکافر يبغض الحق و يکرهه، و يقوم في مواجهته و ينفرعنه. و أمّا الإيمان فهو على عکس الکفر، لأنّه عبارة: عن محبّة الحق و موالاته، و الرغبة فيه. فالانسان المؤمن رجل أينما وجد الحق، يستسلمه و يحبّه و يهواه و يرغب فيه و يسعي لتحقّقه بحسب ما في وسعه، و صعوده في مدارج التزکية. و دلائلُ التي تثبت أنّ الكفر لايتلائم و لا يجتمع مع المحبة و إذعان الحق[1]، و أنّ الإيمان يتلائم و يجتمع معهما، كثيرة تحتاج إلى فرصة أخرى نُحيل توضيحها إلى تلك الفرصة إنْ شاءَ الله.
فعلى هذا، الإيمان يقابله الکفر فقط، لأنّ تقابلهما، تقابل تناقض. و لكن الإسلام يقابله الکفر و النفاق و الفترة، لأنّ تقابلهما تقابل تضادٍ، فالمتصفون بهذه الأوصاف، يشکّلون فِرقاً ثلاثاً في مقابل المسلمين، و الناس اذا لم يلتزموا بالإسلام (اي لم يکونوا من زمرة المسلمين) يمکن أنْ يکونوا واحداً من هؤلاء الثلاثة.
_____________________
[1] - و نؤکّد القضية بعبارة أخرى و نقول: لو أنّک شعرت بوجودهما في رجل کافر مثلاً فلا يکونان منه حقيقيين أصليين بل شکليان ظاهريان، لأنّ علة ظهورهما منه تعود إلى أنانيته و طموحه ورآء منافعه الدنيوية يعني اذا: أحبّ هذا او ذاک، او صدق ذلک الحق و او تلک الحقايق فان حبّه و تصديقه لکل واحد منها، ليس لأنّه محلّ حبّ في نفس الأمر و بالذّات، و لا لأنّه موضع تصديق في الواقع بل لأنّه يرى انّ آماله و أمانيه تتحقق بهذا الحب و بذلک التّصديق و هذا لا إعتبار له في ميزان العقل والدّين، و لا يجدي بشيء.
1-يمکن ان يکونوا من الفتريين. هذه الفرقة تشکّل السّواد الأعظم من الناس بلاريبٍ. لأنّ اکثر الناس لم يبلغهم الدّين الحق بلاغاً کاملاً، و لم يفهموا وحي الله، و لم يدرکوا حقيقته. سواء كانوا من الوثنيين الذين تربّوا على دين آبائهم، أو كانوا من المسيحيين أو من اليهوديين أو غير هؤلاء. و الفتري نسبة إلى الفترةِ، و هي عبارة إمّا: عن انقطاعِ الوحيِ و ظهور الرُُّسلِ عدة قرونٍ تُنْسي فيها حقيقة تعاليم الأنبياءِ السابقه. و إمّا: عن وجودِ حُجُبٍ و موانع تحول بين الناس و بين فهمهم لحقيقة تعاليم الأنبياءِ. فالناس في هذه الفتره في انقطاع من وحي الله، أو جهل بحقيقة رسالته و هدايته.
2- و يمکن أنْ يکونوا من الکافرين، و هم الذين تبيّن لهم الحق و فهموه، و عرفوه کما يعرفون ابناءهم، ثم قاموا في مواجهته، و ابغضوه و عزموا على محاربته، و اقتلاعه من جذوره. و هؤلاء هم الکافرون حقّا.
3- و يمکن أنْ يکونوا من المنافقين. و هؤلاء -و هم الکافرون باطناً- هم ايضاً يحاربون الإسلام کمحاربة الکَفَرَة، و لکن في زي المسلمين، و من بين صفوفهم و في عُقر دارهم.
فعلى هذا، تبيّن أنََّ غيرالمسلمين ثلاث فرق کما بيّنا. و الذين يزعمون: أنّ من ليس بمسلم، فهو کافر، لفي خطأ بين، و في جهل بکتاب الله.
و هذا التصور أحد التصورات الباطلة، - بل أفسدها وأشدها أنانية- التي شاعت مع الأسف الشديد بين أوساط المسلمين شيوعاً کثيراً. و حتى سرت إلى علمائهم الذين يقولون في هذا، بغير علم و لا هدي و لا کتاب منير. إنّ هذه النظرية باطلة من أساسها أي بطلان، و مضادة للإسلام و قوانينه، و لا يتفق جوهرياً مع روح الدين الإسلامي. و مَن كان ذا فهم إسلامي صحيح، لا يقول بهذه التصورات الباطلة، و لا يحکم على النّاس بهذه المقاييس الجزافية، لأنّ حکم الله على الناس ليس کذلک.
إنّي أحمد ألله الذي وفّقني في السنوات السالفة، أنْ اُبيّن حيناً بعد آخر، في المناسبات المختلفة، هذا الموضوع الخطير مستنداً بآيات کثيرة من القرآن الکريم. فالآن لا أجد المجال لبيان الموضوع بالتفصيل، حتى و لا ذکر الآيات سنداً له. و لکن اُشير إلى بعض منها إشارة
سريعة. وهاکَ بَعضَ الآيات التي تتعلق بالموضوع قال الله تعالى: « لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً ».[1]
« إِنَّ الذينَ آمَنُواْ وَالذينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عليهمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ».[2]
و في آية أخرى يقول الله خطأباً للمشرکين الذين كانوا في جدال مستمّرٍ عنيف مع المسلمين في مکة: « أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَآءَةٌ فِي الزُّبُرِ ».[3]
« إِنَّ الذينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَوْلَ-ئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ ».[4]
مِنْ الجارّةُ في هذه الآيه للتبعيض. يعني أنّ الکافرين بعض المشرکين لا کلّهم.
____________________
[1]- النساء 123
[2]- البقره 62
[3]- القمر 43
[4]- البينه 6
__________________
والآيات المبينة لذلک الموضوع، کثيرة في القرآن الکريم، و ضيق الوقت لا يسمح أنْ اُفسّرها، ولا أن اُبيّن معناها و لو بالإيجاز و الإختصار. و في الحقيقة لا أراهُ ضرورياً، لأنّ الذين يعرفون القرآن و يفهمونه، لا يحتاجون إلى التفصيل. و اقول للذين لا يعرفونه: فاعلموا: أنّ القرآن لا يقول، کما يقول هؤلاء. القرآن لا يقول: إنّ الناس يدخلون الجنة أو النار، باعتبارأنّهم مسلمون أو غير مسلمين. کما لا يقول: إنّ من لم يکن بمسلم فهو کافر. و ايضاً لا يقول لمشرکي مکة: إنّکم کلّکم کافرون. بل يقول: أيها المشرکون: إحذروا ! إنّ فيکم کافرين، و هم زعماءکم، و إنّهم شرذمة قليلون، يريدون أنْ يضلوکم عن الهدى بعد إذ جاءکم. إحذروهم و لا تتبّعوهم. فالقرآن يحذّر المشرکين أنْ يتبعوا کفارهم. هذه هيَ صفوة القول و حقيقته التي لا مراء فيها، لمن كان له قلب او القي السمع وهو شهيد. والذين يعرفون القرآن عليهم أن يراجعوه، و يتدبروا آياته، ثم يستخرجوا الآيات التي نزلت بشأن الموضوع. فبمطالعة التفاسير المشروحة، و البحث و التحقيق، يفهمون و يفقهون حقيقة ما أقول إن شاء الله.
فتبيّن بهذا الإيضاح المختصر لشأن هؤلاء الفرق الثلاث، الذين كانوا کلهم، غيرَ مسلمين: إنّما الکافر من فهم الحق و عرفه، ثم قام في مواجهته عالماً متعمداً. و هذه الخصال (أي عدم قبول الحق و...) لها درجات: أغلظُها و أقواها ما كانت موجودة في الذين سماهم الله کافرين. ولستُ على يقينِ أنّه لا يوجد فينا - حتى نحن المسلمين- شيء من تلک الخصال الکفرية، و لا أُصدّقُ أنّه لا يعرض لنا قطُّ أن نقابل الحقّ و ننکره بل أظنّ انّها موجودة فينا قليلاً أو کثيراً.
فعلى سبيل المثال: دار بيني و بين أحدٍ من الناس جدالٌ عنيفٌ، و علا الضجيج والصخب، و التهبت جذوة الأنانية إلتهابا، و الجدال بلغ مداه، ففي هذه الأحوال تجري على لسان هذا الرجل کلمة حق، و لا اصدّق أنّ الإيمان بلغ منّي درجة من الخلوص، أقبَلُ هذا الحق فور سماعه و اقول له صدقت و بالحق نطقت.
خُذْ مثالاً آخر: إنّ اباً کريماً له علاقه عاطفية وتربوية مع إبنه و رغم أنّ دوافعه دوافعُ خير لإصلاحه و إرشاده، ربّما ينتهي الأمر بهما في مسألة من المسائل إلى المجاوبة و المجادلة، ثم يأتي الإبن في تلک المسألة بکلام حق، فنرى الأب لبواعث عديدة کالأنانية مثلاً، أو لئلّا تنكسر
مهابة الأبوّة أمام إبنه: أو لئلّا تصاب بالخيبة والخسران في هذا السعي المضني المتواصل، لا يذعن بهذا الحق، و لا يستسلم له و يقف في مواجهته.
و ايضاً مثال آخر: فإنّ بعض الرجال لهم تصورات باطلة و آراء زائفة، و يزعمون أنّ الدرجة التي نوه بها القرآن للرجال على النساء بقوله:« وَلِلرِّجَالِ عليهنَّ دَرَجَةٌ»[1] تقتضي ايضاً أنْ تکون الحقوق متفاوتة متفاضلة، فمِن حقِّ الرجل أنْ يصيح على إمرأته، و أنْ يأمرها و ينهاها کيف يشاء، و عليها أنْ تسمع و تطيع سواءٌ كان المأمور به حقاً أو باطلاً. و يحسبون أنّ المرأة بالنسبة إلى الرجل ناقصة معيبة، و الرجل کامل سالم ليس فيه عيب و لا نقص. أفمن كان هذه تصوراته و أفكاره يمكن أن يخطر بباله، أن يسمع لإمرأته و يستسلم لها إذا قالت کلمة حق و يذعن بها، أمْ يعتقد أنّ عليه أنْ يرُدَّ عليها قولها و لو كان حقاً و صحيحاً. فهذا الرجل مع أنّه هذه مواقفه مؤمن مسلم. و مع الأسف لا يعتني اعتناءً لازماً، کي يتبيّن له، أنّ الدرجة التي نصّ عليها القرآن للرجال على النساء، هي نفس القوامية التي ذکرها الله في آية أخرى من القرآن.[2] و هي عبارة من: «الإدارة العامة للأسرة»
و من الجدير بالذّكرِ أنّ الله قبل أن يعين هذه الدرجة للرجال قال: « وَلَهُنَّ مِثْلُ الذي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ»[3] يعني أنّ للنساء حقوقات متکافئة و متناسبة مقابل ما عليهن من الواجبات و التکاليف.
الرجل و المرأة متساويان في نظر القرآن، « هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ » و لکن مصلحة الأسرة في علاقاتها الإجتماعية مع الآخرين، تقتضي أنْ تکون القِوامةُ فيها بيد الرجل. کما تقتضي هذه المصلحة، أنْ تکون القِوامةُ في إدارة المنزل بکل أعمالها بيد المرأة. إنْ قبلت هي بإرادتها الحرةِ أنْ تعمل في البيت. فعمل المرأة في بيتها موقوف على إذنها و قبولها، و إذا قبلتْ أنْ تعمل في البيت[4] لا يجوز للرجل أن يتدخل في شئونها الخاصة بها، و يستبدَّ بالرأي في کيفية إدارة المنزل و المهن المختلفة کالطبخ و...، و مع هذا يجب على الزوجين أن يتشاورا في کل شئونهما المختلفة و المتعلقة بحياتهما الزوجية، و أن يکون کل شئونهما بالتشاور و الإئتمار کما هدانا القرآن الکريم[5] في هذا الأمر و في كل الأمور، للتي هي أقوم.
_________________
[1]- البقرة 228
[2]- الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ. النساء 34
[3] - البقرة 187
[4] - المرأة تعمل في بيت زوجها بإحدى هذه الصور الثلاثة.
- اما مجّاناً. لأنّها ذات ثراء و مال غير محتاجة إلى غيرها. فتقوم بخدمات البيت الداخلة کالطبخ و الغسل و الکنس، و خدمة زوجها، و حضانة أولادها و ...، تبرعاً و إحسانا.
- و اِمّا مقابل أجرة کأجرة امثالها ألّائي يعملن في دائرة رسمية او شرکة او معمل او ...
- و امّا شريکة لزوجها مناصفة في ثروات يکتسبانها من يوم عقدهما للنکاح و المرأة في الصورة الأولى و الثانية اذا طلقت لا تستحق من مال زوجها إلاّ المهر و حق المتعه و اذا مات زوجها لا تستحق إلاّ المهر و الربع او الثمن. ولکنها في الصورة الثالثة تستحق ما ذکرناه في الصورة الأولى و الثانية و نصف ما يملکانه لأنّهما شريکان
[5] - إشارة إلى آية السادسة من سورة الطلاق: « وَأْتَمِرُواْ بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ... »
_____________________
نعم لکل واحد منهما حقوق محددة و خاصة به، فإذا قلنا مثلاً: اَنّ إدارة المنزل حقٌّ للمرأةِ فهذا لا يعني أنّ للمرأة في کل الجهات حقوقاً زائدة على حقوق الرجل، و إذا قلنا إنّ الإدارة العامة حقٌ للرجل، فهذا أيضاً لا يعني أنّ للرجل حقوقاً اضافية على حقوق المرأة من كل الجهات. هذا تصور باطل. لأنّهما في الحقوق و الواجبات متساويان، و لکن بحسب الإستعدادات و المؤهّلات الخاصة التي خولّها اللهُ لکل واحد منهما.
قصدي من هذا الإيضاح، انّه قلمّا يوجد رجل مسلم ملتزم، بلغ به الإيمان حدّاً، إذا وقع في الجدال مع زوجته، و نطقت هي بکلمة حق، أن يصدّقها فور سماعها، و يذعن بها، لأنّه بهذه التصورات الباطلة والأفكار البالية الفاسدة التي تسربت إلى ذهنه، و سلکت إلى قلبه، يظنُّ ظنَّ الجاهلية، أنّه هو خير و أفضل من زوجته، و يزعم تصديقاً لبعض الروايات المفتريات، أنّ المرأة ناقصة العقل و الدين. هذه الخصال توجد في قاطبة الناس، إلاّ الذين أخلصوا الدّين لله. و هؤلاء هم الأنبياء و الصديقون و العظماء من الناس، عليهم الصلوات و التسليمات أجمعين.
هؤلاء الرجال الأفاضل المفلحون، الذين زکّوا أنفسهم، هم وحدهم لم تبق فيهم شائبة الکفر. و أمّا سائر الناس فليسوا کذلک.
فإذا أنا أبغضتُ حقاً، او قمت في مواجهته، او أبديت من نفسي عدم المحبة لشيء بلا مبرّر شرعي، فإنّ هذه البوادر التي بدرت من نفسي و تبدّت إلى الظهور، تُعدُّ من خصال الکفر.
و کذلک خصال الإيمان، فإنّها موجودة ايضاً في الذين لا نعدّهم من المسلمين، بل لا نحسبهم مؤمنين، و هم الذين ما اعتقدوا إيماناً إلهياً، و لا إيماناً دينياً. أي ليسوا من الرّبانيين بل من الملحدين العلمانييّن.
نعم فإنّ من هذه الخصال، موجودة في هؤلاء کما بيّنا: فمثلاً نرى أنّ أحدهم إذا سمع حقاً، و تبيّن له انّه حقٌ، يصدّقه و يذعن به، لولم تبلغ به الحال إلى حدّ الجدال، و لم تلتهب حمية الجاهلية و الأنانية فيه، مع أنّه ليس له وراء قبول هذا الحق أي منافع شخصية. نعم کثيراً ما نرى في الملحدين من تلک الخصال، نرى فيهم خصلة الحبّ، ألحبّ الذي ليس فيه أي شائبة من الأنانية، و لا وراءه شيء من الأغراض الشخصية. نقلت لإصدقائي حديث أحد هؤلاء الملحدين، و قد کنت أعُدّه رکناً من أركان الکفر في إيران، و إماماً من أئمته و لکن شاهدْتُ فيه من تلک الخصال الحميدة، مع أنّ هذه الخصال ليست من خصال الکفر بل من خصال الإيمان.
و تبيّن من هذا الإيضاح: أنّ المؤمن الذي أخلص الدّين لله تعالى نقياً من جميع خصال الکفر نادرٌ جداً کما أنّ الکافر الذي أطبق الکفر قلبه بحيث لا توجد فيه نقطة بيضاء، نادرٌ أيضاً
و قد علمنا: أنّ الکافر يطلق على من بلغ الکفر منه حدّاً، قد طُبع على قلبه و طُمس فيه إستعداد قبول الحق، اللّهم إلّا ما يقبله لأنانيته و...، و هذا لا إعتبار له.
هنا يسأل السائل و يقول يعني: ينبغي أن تطلق کلمة المُسلم على من کَمُل إيمانه و لم يبق فيه أية خصلة من خصال الکفر؟
و يصحّح الأستاذ كلامه، و يقول: ألصواب أنْ تقول:«ألمؤمن لا المسلم» لأنّ المؤمن في مقابل الکافر لا المسلم. ثمّ يجيب سؤاله: نعم إذا أردتّ اَنْ تستعمل کلمة المؤمن بمعناه الکامل، فإنّ المراد به: مَن لم تبق فيه أية خصلة من خصال الکفر. هذا هو المؤمن حقّا. و أهل اللغة و أصحاب الأدب يقولون: إذا استعملت الکلمة مطلقة، ينبغي أن تحمل على المعني الکامل الجامع. و إذا أطلقنا کلمة المؤمن بهذا الوجه، فإنّ المراد به من لم يبق فيه من الخصال الکفرية السلبية شيء.
و کذلک کلمة الکافر. فإنّه إذا إستعملناه على هذا الوجه، فإنّ المراد به: من لم يوجد فيه من الخصال الإيمانية الإيجابية شيء. و ينبغي الإنتباه إلى أنّ کلمة المؤمن تطلق على المرءِ، و إنْ كان ضعيفَ الإيمان، رحمة من الله و فضلاً منه.
و أمّا بالنسبة للکافر فالأمر على عکس ذلک. فإنّه لا يجوز قطعاً إطلاق کلمة الکافر، إلّا على من تبيّن له الحقُ و قام في مواجهته و أنکره. فإطلاق کلمة الکافر على من لم يتحقق فيه هذه الشروط يعَدّ خيانة بالدّين، و خروجاً عما تقتضيه کلمة قرآنية في معناها الشرعي. وأضيف إلى هذا الإيضاح و أقول: لا يجوز إطلاق کلمة الکافر إلا على من تبيّن له کل الحقّ، لا بعض الحقّ (لأنّه ليس أحد منّا بريئاً من إنکار بعض الحقايق و إنْ كان ضئيلاً کما مثّلنا من قبل). نعم إنّ الكافر مَنْ تبيّن له الحقُّ- کلّ الحقِّ- واضحاً جلياً بلا غموض و لا إبهام، و بعد هذا قام في مواجهته و أبغضه و حاربهُ، و حاوَلَ لإطفائه بِعِدّته وعُدّته.
نعم فإذا عرض الحق- كلُّ الحقِّ- على شخص، بکماله و وضوحه و طهارته، و تبيّنت له حقيقته، و انکشفت ماهيته ثم جحده و قام في مواجهته، فإنّه يعدّ کافراً. و هؤلاء قليل من الناس في کل عصر.
أخي الکريم! «ليست في العالم اليوم منطقة عُرِضت فيها الحقايق الدّينية جلياً واضحاً بلا غموض، فکيف نحکم على الناس بالکفر؟. لا أعرف؟ هل فيکم مَنْ كان ذاکراً تلک الأيام: أيام أوائل عهد الثورة في إيران؟ کثيراً ما كانوا يقولون لي، و يلحّون علىّ في ذلک العهد الملتهب المضطرب في كردستان: أن أحکم على العصابات والأحزاب القومية الموجودة المضادة للثّورة الإيرانية بالکفر فنقاتلهم على أنّهم کافرون!!!
و قد کنت أبين لهم أنّه يوجد مِنْ بين هؤلاء، مَنْ يعتقد أننّا خائنون!!! : نخون قومنا و وطننا و بني أبناءنا، و لَرُبّما بهذه الحجّة يخالفوننا، و يعذبون إخواننا و يدفنون زملائنا أحياءً، و يأتون بکل ما أتوا من الفتک و العذاب و القتل. و إذا كان کذلک، فإنّ من يعمل هذه الأعمال بتلک الحجّة، فإنّه يفعل العبادة، لأنّه (بزعمه) قد قام في مواجهة الخَوَنة، فکيف أحکم على من يقتل الخَوَنة بالکفر و أصدر فتوى قتله، و أقتله فعلاً؟!!
و على هذا الأساس و من هذا المنطلق، کنت اُبيّن لهم و أقول: إخواني! إنْ قاتلناهم فَقَتَلنا أو قُتِلنا، فنحن القاتلون. و دليل ذلک واضح، لأنّه ما كان في استطاعتنا، أنْ ندّعي، أنّنا عرضنا الإسلام على أحد من هؤلاء، بکماله و وضوحه و حقيقته، و... و هو بعد تبيّنه و معرفته إياه، قام في مواجهته و أنکره و حاربه.
فعلى هذا لم يتحقق الشرط الأوّل لهذا الحكم. و هذه حقيقة لا شك فيها، لأنّنا في الحقيقة ما قمنا بهذه المسؤولية، إلّا في بعض الأوقات، و في بعض الجلسات المحدودة للغاية، و بالنسبة لمسائل معدودة، و ذلک من بعض الزوايا، لا من جميع الجهات. لأنّ عرض حقيقة عظيمة کدين الإسلام، و تبليغه إلى الناس بلاغاً مبيناً، يستدعي وقتاً مناسباً و مجالاً واسعاً، لا يتمّ بيوم و يومين، أو عشرة أيام و...، لأنّه ما استطعنا نحن و لا سائر الحرکات الإسلامية، تهيئة کل المقدمات و المؤهّلات اللازمة للقيام بتلک المسؤولية. و هذه الشروط هي:
اوّلاً: أنْ نفهم الإسلام نحن فهماً صحيحاً جيداً. و هذا لم يتحقق بعدُ، لأنّ في فهمنا للإسلام الصحيح أخطاء کثيرة.
ثانياً: إفترض أنّنا فهمناه فهماً صحيحاً و هل تصدّق أنّنا بيّناه للناس، و عرضناه عليهم على الوجه الذي تقتضيه الحکمة القرآنيه؟
و بعد هذين الشرطين هناک شرط آخر، و هو أنْ نکون نحن نماذج حية و شواهد عمليةً لما ندعوا إليه الناس.
و نؤکد القضية، و نکررها بعد مرات، و نقول: إنّ الشرط اللازم لأنْ نحکم على أحد بأنّه کافر، هو أنْ يعرض عليه الإسلام عرضاً کاملاً نظيفاً قبل کل شيء، بحيث لا يبقي له فيه أي إبهام و لا غموض. أو بعبارة أخرى شايعة على ألسنة الناس- و إنْ لم يعلموا مرادها- : أنْ تقام عليه الحجة. ولکن ما المراد بإقامة الحجة على الناس في نظر الإسلام، و کيف تتمّ هذه الحجة؟ نقول: أنْ يتضح الحق للمرء کاملاً، و يتبيّن له أنّه هو الحق بلا ريب، و يصبح کالذين يقول عنهم القرآن: «وَكانواْ مُسْتَبْصِرِينَ»[1] يعني أنّ وضوح الحقّ بلغ مبلغاً، كان المرء يراه باُمّ عينيه، فإذا صار کما قلنا، ثم أنکره، و قام في مواجهته فإنّه بلاريبٍ يصير کافراً.
أيّها الأخ العزيز: إنّ هذه الشروط لم تتحقّق بعدُ في هذا العصر. فإذا لم يتحقق الشرط، فكيف يتحقّق المشروط؟ و هو الحکم على کل من قام في مواجهته بأنّه کافر.
_____________
[1]- العنكبوت 38
ـــــــــــــــــــــــ
«الحرب في الإسلام»
هذا الموضوع الذي سألت عنه في بداية البحث يعني: ما هي حقيقة الحروب التي وقعت في عهد النبي-صلى الله عليه وسلم- و في عهد الخلفاء الراشدين، لاسيما في عهد ابيبکر الصديق - سلام الله عليه - بين المسلمين و بين الذين كانوا يعيشون في المجتمع الإسلامي، -لأنّهم رفضوا بعض الأحكام الإسلامية- و بينهم و بين الذين كانوا غير مسلمين، و يقيمون خارج المجتمع الإسلامي؟ أقول لابد أنْ اُشير أوّلاً: أنّ هذا الموضوع يحتاج إلى توضيح و تفصيل أکثر من هذا.
فإنّ العنوان العام لهذا الموضوع، هو «السياسة الدولية للإسلام» و هي عبارة عن: أنّ الإسلام کيف يتعامل مع غير المسلمين، و أنّ الحاکمية الإسلامية کيف تتعامل مع الحکومات غير الإسلامية؟ و في خلال البحث أشرتُ إلى قضية هامة من بين القضايا التي تتعلّق بهذا الموضوع، و هو: أنّ الحرب بين الإسلام و الکفر لم تقع في يوم من الأيام و لَنْ تقع أصلاً. يعني: أنّ الإسلام لا يحارب شخصاً أو مجتمعاً، لأنّهما غير مسلمين. حتى و لا يحاربهما لأنّهما کافران. و أعني بالکافر، الکافر بمعناه الأصلی، و هو الذي تبيّن له الحقّ و فهمه، و بعد هذا قام في مواجهته. و هؤلاء الکافرون قليلون جداً في کل عصر.
و في عصرنا هذا لا يکاد يوجد کافر، و أنا على يقين بأنّه مضت قرون کثيرة ما وُجد فيها کافر أيضاً. و الدليل على ذلک واضح: لأنّ الإسلام لم يعرض على الناس على الوجه الصحيح. يعني: أنّ الشرط الأول لإقامة الحجة، لم يتحقّق بعدُ فكيف بالشروط الأخرى؟
هذا و إذا حکمنا بعد تحقّق الشروط على مجتمع. بأنّه مجتمع کفرٍ، فإنّه لا يعني أنّ الناس کلهم في هذا المجتمع کافرون. بل المراد أنّ الحکام و الزعماء الذين يحکمون هذا المجتمع، و يتخذون موقفاً عدائياً حيال الإسلام، و يحشدون و يهيئون الجيوشَ و يحرّضونهم على قتال المسلمين هم الکافرون حقّا. و أيضا إذا حکمنا على جيشهم بأنّه جيش الکفر، هذا هو الآخر، لا يعني أنّ آحاد الجيش واحداً فواحداً کافرون، و تسميتنا إيّاهم بجيش الکفر، لدخولهم في معسکر الکفر، و لأنّهم يقاتلون فيه. و على کل حال، لو كان هناک مجتمع کافر، أو فرد کافر بمعناهما الرئيسي، فإنّ الإسلام لا يحاربهما لأنّهما کافران.
هذا و کنتم سمعتم بناءً لعرف خطأ، أنّ غير المسلمين کلهم کافرون، هذا خطأ فاحشٌ، لأنّنا بيّنا أنّ مصطلح «غير المسلمين» عام و مصطلح «الکافر» خاص. و في نطاق هذا الغلط يقولون: إنّ الکافرين -و هم غير المسلمين في الحقيقة- ثلاث فرق:
1- الکافر الحربي أو المحارب. (و هذا اکثر استعمالاً من قسميه، و بلغت شهرته بين الناس مبلغاً يتفوه به في الغناء الکردي)
2- الکافر الذمي
3- الکافر المعاهد. (و هذا الأخير غير معروف عند أکثر الناس، ولکن الأوّل و الثاني مشهوران).
و الآن لا شأن لي أنْ أُبين وجه خطأ إستعمال «الکافر» هناک، و الصحيح: أنّ غير المسلمين- کافرين أو غير کافرين- ثلاثة أقسام:
الحربي: و هو من يحارب الإسلام.
والذمّي: و هو من يعيش بين المسلمين و في بلدهم.
والمعاهد: و هو من يقيم في منطقة مستقلة خارج بلاد المسلمين، و لا يحارب الإسلام و أهله، بل تّم بينه و بين الحاکمية الإسلامية توقيع معاهدات، و عقد إتفاقيات کثيرة، و على مستويات مختلفة: و أقلّها إتفاقية معاهدة السلام و ترک المخاصمة بين الجانبين، و أبسط من هذا عقد إتفاقية الهدنة و عدم الإعتداء بينهما.
و هذا أبسط و أضيق المعاهدات نطاقاً من بين المعاهدات الدولية. و ربّما يفتح هذا طريقاً أمامنا: يفضي في النهاية إلى معاهدة الثنائية و الحلف العسکري، ثم إلى معاهدات أخرى.
أخي العزيز! فإنّ نفس هذا المصطلح -و هو قولهم إنّ الکافرين ثلاث فرق- أو بعبارته الصحيحة: أنّ غير المسلمين ثلاث فرق، شاهد عيان على أنّ المحاربة مع الکفر لم يکن مشروعاً يوماً ما و إلاّ کيف يکون الکافر ذمّياً، أو معاهداً.
فعلى هذا ليس في الإسلام محاربة مع غير المسلمين، لأنّهم غير مسلمين حتّى و لا مع الکافرين لأنّهم کافرون.
حتّى لو كان الرجل کافراً، و المنطقة التي يقيم فيها دار کفر، فإنّ القتال معه لا يکون مشروعاً أيضاً، لأنّه يمکن أنْ تکون العلاقة بينه و بين الحاکمية الإسلامية علاقة معاهدة.
فإذا قلنا إنّ علاقة الحاکمية الإسلامية مع غير المسلمين، و مع الکافرين، لها ثلاث صور، فإنّها ترُدّ بالضّرورة التصور الذي، يقول: إنّ الإسلام يجب عليه أنْ يقاتل الجانب الکافر أياً كان. و القرآن بين، أنّ هناک ثلاثة أنواع من المواقف بالنسبة لغير المسلمين: و صورة واحدة منها فقط هي القتال. و القتال واجب إذا هم قاتلونا قال تعالى: « وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الذينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ»[1] و أمّا إذا لم يقاتلونا. فلا يجوز لنا أنْ نقاتلهم. قال تعالى: « فَإِنِ انْتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ»[2]
يعني إذا هم أنتهوا عن القتال فإنّه لا يجوز لکم أنْ تشنّوا عليهم هجوماً جديداً. إلا إذا تبيّن لکم أنّهم يستمرّون في الظلم، و أخذوا يخدعون المسلمين بکفّهم عن القتال بحسب الظاهر، و في الواقع فتحوا جبهةً أخرى للإضرار بالمسلمين، والنيل بهم. و هذا يعني أنّهم في الحقيقة في حال القتال.
فالقتال في تلک الأحوال واجب على المسلمين.
و إذا لم يکن قتال بيننا و بين الذين يقيمون داخل البلاد الإسلامية -و هم أهل الذّمة- و لا مع الذين يقيمون خارجها، فأقلّ إتفاقية ممکنة بين الجانبين، إتفاقية ترک المخاصمة، و عقد معاهدة الهدنة و إستمرار هذه الحالة رُبّما يفضي إلى عقد معاهدات أخرى ذات مستوى أرفع. تلک المصطلحات الثلاثة، أدّلة واضحة لأنْ يفهم المسلم، أنّ المسألة كما بيّنا ليست کما فهمها الکثيرون. إضافة إلى هذا: أنّ القرآن بآياته الکثيرة شاهد على صحة ما بيّناه آنفاً.
___________________
[1] - البقره 190
[2] - البقره 193
_________________
و هنا، يلزم أنْ نذکّرکم بخطأ وقع فيه بعض المفسرين، و هکذا المترجمون -و لا عجب على المترجمين لأنّ الترجمة قاصرة جداً عن تأدية المفاهيم القرآنية العظيمة- في فهم بعض آيات نزلت في أوائل سورة التوبه فإنّهم -رحمهم الله- زعموا أنّ مشرکي مکة خاصة (لا سائر المشرکين في بقية المناطق) نظراً لطول مدة محاربتهم و قتالهم ضد المسلمين في سنوات عديدة، صاروا من الکافرين المحاربين. فعلى هذا لا يکون لهم عهد و لا حلف عند المسلمين أبداً. هذا فهم غير صحيح لتلک الآيات، و ليس الأمر کذلک حتّى لمشرکي مکة. لأنّ المعاهدة معهم في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- قبل فتحها كانت ثابتة واقعة، و أمّا بعد فتحها فلم يبق مشرک هناک بهذا المعني و في هذا المستوى، و لم يکن له مصداق واقعي في الخارج حتّى نبحث عن المعاهدة في تلك المرحلة کيف كانت. و هذا التفسير للقرآن تفسير خطأ، فسورة البراءة لا تقول کما يقول هؤلاء المفسرون.
و الأمر الآخر الذي أوْقع بعضَ المفسرين في الخطأ، أنّهم حينما يفسرون آيةً من آيات القرآن لا ينظرون و لا يهتمون بالآيات الأخرى التي نزلت في نفس الموضوع. ففي تفسير سورة البراءة ارتکبوا نفس الخطأ. فإنّهم يفسرونها كانهم غافلون عن الآيات الأخرى التي نزلت بشأن الموضوع في هذه السورة، و في سائر سور القرآن.
قال الله تعالى: « بَرَآءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الذينَ عَاهَدْتُمْ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ»[1] فإنّ ظاهر الآية تعلن إنذار الله و رسوله إلى المشرکين الذين عُقدت معهم المعاهدة و الحلف في مکة. فهذه الآية في أوّل السورة هو عنوان الموضوع، و الآيات الأخرى التي تأتي بعدها، إلى الآيات الخامسة عشرة و السادسة عشرة، تفصل هذا العنوان، ثم نرى بعد ذلک أنّ سائر الآيات إلى آخر السورة، تفصّل هذا الأمر باعتبارات شتّى، و في زوايا مختلفه. و مع الأسف فإنّ المفسرين لايتدبرون، و لايدققون النظر، کي يدرکوا أنّ القرآن في هذه الفواصل القصيرة، استثني مرتين من هذا الحکم الکلي، حکم الذين استقاموا في معاهداتهم و لم ينقضوا[2] العهد الذي عاهدوا عليه، حتّى أنّه نصّ في إحدي الآيات على عنوان عهدٍ من تلک العهود، و يقول: إنّ من هؤلاء الذين استقاموا في عهدهم نفراً كانوا عاهدوا الإسلام عند المسجد الحرام، و يقول عنهم القرآن.
___________
[1] - التوبة 1
[2] - اشارة الي الآية الرابعه و هي: « إِلاَّ الذينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّواْ... »
ــــــــــــــــــــ
« إِلاَّ الذينَ عَاهَدْتُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ »[1] و على الأسف الشديد فإنّ بعض المفسرين ما إنْ رأي عنوان الموضوع في أوّل السورة، حتّى استنتج منها و قال: «هذا إعلام عام لکل المشرکين في مکة، بأنّ عهودهم کلها باطلة لا اعتبار لها، و أنّ المهلة التي اُوتيت لهم أربعة أشهر، و بعد انسلاخها يکون ما يکون. «فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُر».[2] بينما الأمر ليس کذلک. هنا ينبغي الأنتباه إلى موضوع هامّ و هو: أنّه ليس ببعيدٍ و لا غير طبيعي أنْ نحکم على مشرکي مکة- نظراً لخياناتهم المستمرة و فسقهم و اضطهادهم للمسلمين في سنوات عديدة- بأنّ مواثيقهم و معاهداتهم کلها باطلة لا اعتبار لها. ولکن القرآن لا يعلن: أنّ العهود التي عقدت معهم باطلة و منسوخة کلها. بل يعلِنُ أنّ الذين استقاموا في عهودهم منهم و لم ينکثوا إيمانهم، أنْ أتمّوا إليهم عهودهم إلى مدتهم. فلندع هذه المسألة فإنّها مبحث طويل جدّاً کما ذکرنا في مسألة السياسة الدولية.
و في الجملة أنّ ما نستهديه من هدي القرآن و نستنبطه من التحقيق و المطالعة الدقيقة لتاريخ الإسلام:
أنّ الإسلام لا يحارب و لا يقاتل خارج بلاده -إلا مجتمعين اثنين:
- الأوّل: مجتمعاً أو حاکمية يقاتل الإسلام و يقوم في مواجهته و يعلن الحرب عليه
- الثاني: مجتمعاً يسلب من المسلمين الذين يقيمون هناک حريتهم، أو يقاتلهم أو يعذبهم و...،
و أنّ لهذين المجتمعين حاکمية مستقلة في مملکة خارجة عن المنطقة المتعلقة بالمسلمين.
کنّا تنازلاً للمصطلح المشهور استعملنا کلمة «المملکة» و إلا فإنّ الإسلام لايرضى أصلاً بهذه التقسيمات الجائرة الظالمة ألّلاإنسانية بالنسبة لکرة الأرض التي وضعها للأنام. کما يقال مثلاً: مملکتنا. أو مملکتکم، أو هذه المملکة أو... ، فهذه تقسيمات لا إنسانية في الواقع، و إنّها تعد إهانة و احتقاراً بالإنسانية جمعاء.
___________________
[1] - التوبة 7
[2] - التوبة 2
ــــــــــــــــــــــــــــ
و هذه الحدود و الخطوط التي رسمت حول الإنسان، إهانة کبيرة بکرامته، و كانها جدار أحاطه رجل حول حظيرة أنعامه، و يقول: هذه الاغنام في هذه الحظيرة تحت يدي، و تعامل تلک الحکومات مع شعوبها المختلفة مثل تعامل هذا الرجل مع أغنامه. و هذه الصنيعة ازدراءٌ بالإنسانية و أية ازدراء. و هذا الموقف موقف لا يليق بشرافة الإنسان و کرامته. فإنّ الإسلام لا يقبل هذا، و لا يرضى بتقسيم کرة الأرضية إلى هذه الممالک المتقطعة. بل الصواب لو لزم تقسيمها، أنْ نستعمل کلمة «المنطقة». هذا فلنرجع إلى موضوعنا الأ صلي.
فنقول إذا كانت هناک منطقة، و كانت الحاکمية فيها غير إسلامية سواء كانوا کافرين أو غيرکافرين، فإنّهم إنّ ظلموا المسلمين الذين كانوا مقيمين هناک، و قاموا في مواجهتهم، فإنّ الحاکمية الإسلامية، يجب عليها أنْ تعلن الحرب عليهم لإ نقاذهم من تلک القرية الظالم أهلها، و تسيرَ الجيش لرفع الظلم و کف الأذى عنهم.
و ذلك کصنيعة الأحزاب و الجماعات اليوم في العالم، التي تشعر بالمسؤولية أمام أعضائها و أتباعها، سواء كانوا داخل بلادهم أو خارجها- شريطة أنْ تکون هذه المنطقة الظالمة مجاورة للمنطقة الإسلامية و تليها. قال الله تعالى: « قَاتِلُواْ الذينَ يَلُونَكُمْ مِّنَ الْكُفَّارِ »[1] أي قاتلوا الکفار الذين يعذبون المسلمين، و يضطهدونهم و يؤذونهم و يجبرونهم على ترک الإسلام، بشرط أنْ يکون هؤلاء الظالمون، مجاورين لکم. و لکن إذا لم يکونوا مجاورين لکم فلا يجوز لکم الهجوم عليهم. و هذه إحدى الصور التي يجب على المسلمين القتال فيها، لأنّها تُعدُّ أيضاً محاربة المسلمين.
و لکن إذا كانوا غير مجاورين لنا نحن المسلمين، و حالت بيننا و بينهم مناطق أخرى، فإنّه لا يجوز لحکومتنا الإسلامية، أنْ تقاتلهم، لأنّها حينئذٍ تطؤُ تلک المناطق المحايدة بحيشها و ليس لها ذلک. و لأنّها أيضا تحتلّ منطقة ليست في حالة الحرب معنا، و ما سلّت سيفاً علينا، و لا خاضت معرکة ضدنا، لا ظاهرة و لا باطنةً کالتي تشد الضغط على المسلمين في منطقتها.
و لأنّه بعملنا هذا نسود الفوضى و الإضطراب و البلبلة على تلک المناطق الآمنة، و هذا غير جائز أيضاً.
_____________________
[1] - التوبة 123
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
و الواجب على المسلمين الذين يعيشون في مناطق بعيدة عنا، الذين يعذَّبون هناک و يفتَنون في دينهم و إسلامهم، أنْ يهاجروا و ينجوا بأنفسهم من المهالک و الفتن. و الهجرة في تلک الظروف البائسة و الأوضاع السيئة للمسلمين الذين لا حيلة لهم، حکم ثابت و محترم، فعليهم أنْ يهاجروا من تلک المنطقة الظالمة إلى مناطق أخرى آمنة.
إلى هنا بينّا نوعين من الحرب، يجب على المسلمين الخوض فيهما في علاقاتهم الخارجية أو العالمية ضد الحکومات غير الإسلامية. هناک نوع آخر من الحرب و القتال، و هذا هو الذي أشرت إليه في سؤالک، کالحرب التي أعلنها ابوبکر الصديق- رضی الله عنه- على المرتدين.
و هذه حرب داخلية، و القرآن سمّى الذين يرتکبون أعمالاً إرهابيةً في داخل المنطقة الإسلامية بالمحاربين. و من المؤلم أنّ هذا الموضوع أيضاً، فُسِّر تفسيراً خاطئاً. نعم إنّ الذين يقيمون في الأراضي الإسلامية فإنّهم كانوا في الحقيقة مبايعين للإسلام و كانوا ملتزمين أنْ يعيشوا وفقاً لنظامه السياسي و الإجتماعي و... فبناءً على هذا فإنّهم إنْ قابلوا الإسلام، و قاموا في مواجهته، ليست المعاملة معهم کالمعاملة مع غيرهم. و لا أحكامهم کأحكام الذين يعيشون خارج حاکمية الإسلام. ولأحكامهم صورٌ مختلفة، و مراحل متفاوتة نذکرها فيما يلي: المرحلة الأولى. هي أنْ يقتلوا في ميدان المعرکة و کيف يکون هذا، و متى يکون؟
أوّلاً: يعلن لهم أنّ الإسلام الذي أنتم بايعتموه، و اظهرتم الالتزام به، هو هذا الذي قد ترونه، ما تغير فيه شيء، کل شيء على مايرام. والخليفة ابوبکر الصديق -رضي الله عنه-، ما صدر الأمر بالقتال في أوّل الأمر، بل قال: إعرضوا عليهم الإسلام مرة ثانيه، و اذکروا لهم المواعد، فلتنظروا ماذا يرجعون؟ أيقبلون منکم. أم يحاربون؟ فثبت أنّ ابابکر ما أمر الجيش بالمحاربة و المقاتلة في بداية الأمر، و ما قال لجنوده: إنفروا، و اقتلوا هؤلاء! بل أمر کما قلنا: أنْ يعرض عليهم الإسلام من جديد، و ليذَکّروا عهودهم، ولينظروا ماذا يفعلون بعد هذا؟ أيقاتلون أم يکفّون و يستسلمون؟
فإنْ استسلموا و کفّوا، فلله الحمد. فلا يحدث قتال و... و إنْ لم يستسلموا و اتخذوا مواقعهم في المراصد ففي هذا الوقت تقام عليهم أحكام أربعة متفاوتة:
الأوّل: إباحة قتلِ مَنْ يقاتلون في ميدان المعرکة، و لا يکفّون عن القتال، و يقال للجيش: قاتلوهم کلهم إلا النساء و الشيوخ و الأطفال. قاتلوا الذين شهروا السيف علينا. و لا تقولوا: هذا رجل صالح، و ذاک شأنه کذا، أو كان هو يتبع فلاناً «الصالح» اقتلوا الذين يقاتلونکم إلا من أُستُثِني. فمَنْ قُتِلَ في ميدان المعرکة فهذا جزاءه القتل. هذا هو الحکم الأوّل.
الثاني: إعدام الذين أُسِر منهم شنقاً و هم ممن قتلوا الناس في ميدان المعرکه.
الثالث: قطع اليد و الرجل من خلاف، للذين لم يقتلوا أحداً بل أحدثوا شللاً، أو قطعاً في أحد الأعضاء، کالعين و الرأس و اليد و الرجل.
الرابع:النفي من تلک المنطقة إلى مناطق أخرى للذين لم يرتکبوا شيئاً من تلک الأعمال، بل أوْجدوا بلبلة و عذاباً و فتنة و إرهاباً بين الناس، کي لا يجتمع بعضهم مع البعض الآخر لمؤآمرة ثانية و فتنة أخرى ضد المجتمع الإسلامي.
هذه أحكام أربعة تُنفّذ على الذين يقومون في مواجهة الإسلام داخل أراضيه و هي بالإختصار عبارة عن:
1- القتل في ميدان المعرکة
2- الإعدام شنقاً
3- قطع اليد و الرجل
4- النفي.
هذه عقوبات عادلة عوقب بها کل واحد منهم حسب الجريمة التي ارتکبها. بهذه الإشارة الموجزة، تبيّن أنّ الأحكام الإسلامية العامة التي يجب على ابيبکر-رضي الله عنه- و أي حاکم إسلامي آخر، أنْ يطبّقها على الذين يتأمرون ضد الإسلام داخل أراضيها، و يسعون لقلب النظام الإسلامي العادل الذي يحکم الناس وفقاً لقواعد الإسلام، هي تلک الأحكام الأربعة التي بيّنها القرآن.[1]
[1] - « إِنَّمَا جَزَآءُ الذينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ... » مائده 33
و كان ابوبکر-سلام الله عليه- أکفأ الرجال لأْن ينفّذ هذه الأحكام القرآنية على المرتدين الذين يحاربون الإسلام و يسعون في الأرض فساداً، لأنّه كان وفياً صادقاً بما عاهده: مِن أنْ يحکم المجتمع وفقاً لقواعد الإسلام و كانت حکومته حکومة إسلامية عادلة.
يسأل أحد الحضّار، و يقول: يعني: صحيح أن نطلق کلمة الکافر على من كان کذلک، و نحاربه؟
و يجيب الأستاذ: أقول کما قلت مراراً لا يوجد اليوم في العالم کافر، و أيضاً لا تقع حرب بين الإسلام و الکفر، و ليس لها مصداق في الخارج، فالإسلام لا يحارب الکفر، لأنّه کفر. فإنّ الحرب في الإسلام -کما قلت-، لها ثلاث صور فقط، اُشير إليها مرة أخرى:
الأولى: محاربة غير المسلمين أو الکافرين إذا هم حاربوا الإسلام و بدئوا بها. هذا إذا كان هؤلاء من حيث السياسة الدولية في منطقة مستقلة، و المسلمون في منطقة أخرى.
الثانية: محاربة غير المسلمين أو الکافرين الذين يوقعون الضغط على المسلمين الذين يقيمون في منطقتهم و يضطهدونهم، و يعذبونهم و يجبرونهم على ترک الإسلام و الإرتداد عنه.
فإنّ هذه الأعمال من هؤلاء و إن كان في الظاهر، لا تعدّ إعلان الحرب على المسلمين، ولكنها في الواقع حرب عليهم. فعلى الحاكمية الإسلامية أنْ تحاربهم بشرط أنْ تكون هذه المنطقة الظالم أهلها مجاورة للمنطقة الإسلاميه.
الثالثة: محاربة المحاربين الذين قاموا ضد الحاکمية الإسلامية و المجتمع و الناس. هؤلاء هم المرتدّون الذين يفسدون في الأرض، و يقتلون الناس و...، على الحاکمية الإسلامية أنْ تعلن الحرب عليهم و تقتلّهم تقتيلاً، و بعد الإثخان في الأرض تأسر مابقي منهم و تجازيهم بإحدى المجازات الثلاث: الإعدام أو قطع اليد و الرِجْلِ من خلاف، أو النفي. شريطة أنْ لاتکون لهؤلاء دلائل و شواهد تثبت أنّ الحکومة ابتعدت عن الإسلام، و مالت عن جادة العدالة. فإنْ كان کذلک فإنّ محاربتهم ضد هذه الحکومة لا تکون حراماً و لا إثماً، بل تکون جهاداً و عبادة. خذ لذلک مثلاً: فإنّ عمر بن الخطأب-سلام الله عليه- لولم يثبت أمام الناس أنّه ما أخذ لنفسه قماشاً أزيد مما أخذه سائر الناس عند ما اعترضه أحد المصلين في المسجد - و أنّ القميص الذي ارتداه، و إن كان مخيطاً من بردتين، و لکن إحديهما سهمه من الغنيمة و الأخرى سهم إبنه عبد الله الذي أهداها إليه-، يعدّ ذلک ضعفاً و طعناً في عدالته، و كان احتجاج الرجل عليه حقاً، و كانت معارضته إياه نهياً عن منکر.[1]
فإذا ارتکبت الحکومة الإسلامية منکراً من المنکرات، و خرجت عن جادة العدالة، فإنّ معارضتها و مواجهتها تکون جهاداً و عبادة.
فالمحاربة في نظر الإسلام تمرّد بلا مبرّرٍ شرعي في وجه الحکومة الإسلامية، التي تدير الأمور وفقاً لقواعد الإسلام. و هي جديرةٌ بأنْ تُساعَد، و تُنصَر، لا أنْ تُسلّ عليها السيوف.[2] فتبيّن من ما مرّ أنّ المحاربين قد يکونون مسلمين و قد يکونون غير مسلمين و على أية حال: هم الذين لا يرضون بالحکم الإسلامي داخل المنطقة الإسلامية، و يسعون بالحرب والقتل لقلب نظام الحکم.
والسلام عليكم ورحمة الله
شورى الإدارة لمكتب القرآن
___________________________
[1] - ذات يوم يصعد عمر المنبر ليحدث الناس في امر جليل، فيبدأ خطبته بعد حمد الله، بقوله: «إسمعوا يرحمکم الله» ولکن احد المسلمين ينهض قائماً فيقول: والله لا نسمع ... و الله لا نسمع فيسأله عمر في لهفة: و لم يا سلمان؟ فيجيب سلمان ميزت نفسک علينا في الدنيا، اعطيت کلاً منا بردة واحدة و اخذت انت بردتين!! فيجعل الخليفة بصره في صفوف الناس، ثم يقول: اين عبد الله بن عمر...؟ فينهض إبنه عبدالله ها انا ذا يا امير المؤمنين . فيسأله عمر على الملأ: من صاحب البردة الثانية؟ فيجيب عبد الله انا يا امير المؤمنين.و يخاطب عمر سلمان و الناس معه فيقول : إنّني کما تعلمون رجل طوال، و لقد جاءت بردتي قصيرة، فأعطاني عبدالله بردته، فاطلت بها بردتي. فيقول سلمان و في عينه دموع الغبطة و الثقة الحمد الله. و الآن قل نسمع و نطع يا امير المؤمنين. (خالد محمد خالد، خلفاء الرّسول)
[2] - فإنّ أحکام الإسلام لا تنفذ البتة في نظر الأستاذ کاکه أحمد مفتي زاده، إلاّ اذا تحققت شروط:
الواحدة منها: أن تکون الحکومة إسلامية، و لا تکون إسلامية الا اذا کانت مبنيةً على أساس الشورى. يعني کانت الحکومة شورائية و الدولةُ دولة خلافةٍ
و الثانية منها: أن تهيئي الحکومة ظروفا و اوضاعاً متواتية متناسبة لان يتمتع أهل البلاد الإسلامية بجميع حقوقاتهم التي منحتها إياهم الشريعة الإسلامية من حماية النفس و المال و العرض، و حرية المبدأ و المسلک، و حرية العبادة، و حرية إبداء الرأي و ... ولاتکون هناک أيّة شبهة لإعطاء الحقوق بکمالها، و إلاّ فان الحدود لا تنفّذ في المجتمع و تدرأ بالشبهات. مثل ما حدث لعمر بن الخطأب الرجل الملهم الرشيد، صاحب فهم النافذ، و الإستعداد العظيم. يجاء إليه يوماً بغلمان صفار السّنّ سرقوا ناقة رجل من مُزَينة فلا يکاد يراهم صفر الوجوه، ضامري الأجسام حتّى يسأل: من سيد هولاء؟
قالوا: حاطب بن ابي بلتعه - قال الّي به ... فلما جاء حاطب، سأله: أنت سيد هولاء؟ قال نعم يا امير المؤمنين. قال عمر لقد کدت انزل بهم العقاب، لولا ما اعلمه من انکم تدئبونهم، و تجيعونهم ... لقد جاعوا فسرقوا، و لن ينزل العقاب إلاّ بک ...!؟
ثم سأل صاحب الناقة - يا مزني کم تساوي ناقتک - ؟
قال: اربعمأة. قال عمر لحاطب: اذهب فاعطه ثمانمأة ...!! ثم قال للغلمان: اذهبوا و لا تعودا لمثلها. (خالد محمد خالد، خلفاء الرّسول ص210)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ